أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

182

العقد الفريد

باللين ، وحسر عن ذراعيه ، وشمر عن ساقيه ، واعد للأمور أقرانها وللحرب آلتها ، فلما أصابه قنّ « 1 » المغيرة بن شعبة ، أمر ابن العباس أن يسأل الناس هل يثبتون قاتله ؟ فلما قيل له قنّ المغيرة استهل « 2 » بحمد اللّه أن لا يكون أصابه من له حق في الفيء ، فيستحل دمه بما استحل من حقه ؛ وقد كان أصاب من مال اللّه بضعة وثمانين ألفا فكسر بها رباعه « 3 » ، وكره بها كفالة أهله وولده ، فأدّى ذلك إلى الخليفة من بعده ، وفارق الدنيا تقيا نقيا على منهاج صاحبه . ثم إنّا واللّه ما اجتمعنا بعدهما إلا على ضلع أعوج ، ثم إنك يا عمر ابن الدنيا ولدتك ملوكها ، وألقمتك ثديها ، فلما وليتها ألقيتها وأحببت لقاء اللّه وما عنده ؛ فالحمد للّه الذي جلا بك حوبتنا ، وكشف بك كربتنا . امض ولا تلتفت ، فإنه لا يغني عن الحق شيء ، أقول قولي هذا وأستغفر اللّه لي ولكم وللمؤمنين وللمؤمنات . ولما قال : ثم إنا واللّه ما اجتمعنا بعدهما إلا على ضلع أعوج . سكت الناس كلهم غير هشام ، فإنه قال : كذبت ! وخطبة أيضا لعمر بن عبد العزيز قال أبو الحسن : خطب عمر بن عبد العزيز بخناصرة « 4 » خطبة لم يخطب بعدها حتى مات ، رحمه اللّه . حمد اللّه وأثني عليه ، ثم قال : أيها الناس ، إنكم لم تخلقوا عبثا ، ولم تتركوا سدى ؛ وإن لكم معادا يحكم اللّه بينكم فيه ، فخاب وخسر من خرج من رحمة اللّه التي وسعت كل شيء ، وحرم جنة عرضها السماوات والأرض ، واعلموا أن الأمان غدا لمن خاف اليوم وباع قليلا بكثير ، وفانيا بباق ، ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين ، وسيخلّفها من بعدكم الباقون [ كذلك ] حتى تردوا إلى خير الوارثين ؛ ثم إنكم في كل يوم تشيّعون غاديا ورائحا

--> ( 1 ) القن : العبد . ( 2 ) استهل : صاح . ( 3 ) الرباع : الدور . ( 4 ) خناصرة : بلد بالشام من أعمال حلب .